ابن رشد
74
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
تصويرا حسيا مستمدا مما هو مشاهد عندهم . " أما العلماء فيزيدون على ما يدرك من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان " ( ف : 82 ) أي ما يتوصلون إليه بأنواع الاستدلال التي يستعملونها لاستخراج المجهول من المعلوم ، ولذلك كانت معارف العلماء أوسع من معارف الجمهور . أما الفرق بين العلماء والمتكلمين ، الجدليين ، فهو أن العلماء - والمقصود هنا الفلاسفة وأرسطو بكيفية خاصة - ينطلقون من دراسة " الشاهد " أي معطيات الحس والتجربة ، والارتقاء منها إلى " الغائب " أو " ما وراء الطبيعة " ، إلى العالم الإلهي ، وهم يتوخون اليقين الذي يتوقف على صدق المقدمات التي يعتمدونها ، وتماسك الخطوات المنطقية التي يسيرون عليها . غرضهم في كل ذلك البحث عن الحقيقة وبناء العلم من أجل العلم نفسه : العلم الذي به ينال الإنسان كماله فينفصل به عن الحيوان والنبات والجماد الخ . . . أما المتكلمون الجدليون فهم ، بالعكس من ذلك ، ينطلقون من أصول مذهبهم التي تتعلق ب " الغائب " أي بعالم الألوهية وما في معناه ثم يبنون " الشاهد " ، أي معطيات الحس ، بالشكل الذي يمكنهم من الاستدلال به على صحة تلك الأصول . هدفهم ، كما قلنا ، كسب الأنصار وليس بناء العلم . 3 - " الكلام " شيء . . . والمعرفة العلمية البرهانية شيء آخر هذا من جهة ومن جهة أخرى لا بدّ من الإشارة إلى أن اعتراضات ابن رشد على الأشعرية والمتكلمين عموما ليست اعتراضات جدلية من ذلك النوع الذي كل ما يهدف إليه هو هدم دعوى الخصم أو التشكيك فيها على الأقل . كلا ، إن ابن رشد يستحضر في ذهنه ما كان يعتبر في عصره معرفة برهانية ، أي علما ، أعني العلم الأرسطي ، وبكيفية عامة نظام الكون كما شيده أرسطو بطريقته " البرهانية " ، التي تنطلق من المحسوس إلى المعقول . ثم يقارن بين آراء المتكلمين وبين هذه " المعرفة العلمية " ، فيبين الخلل في تلك الآراء دون أن يشرح بتفصيل ما تعرضه تلك " المعرفة العلمية " من معطيات وما تتصف به من يقين ، إدراكا منه أن ذلك لا يمكن عرضه مجزئا ، فالأمر يتعلق بمنظومة ( المنظومة الأرسطية ) مترابطة الأجزاء ، كالبناء يشد بعضه بعضا ويستند بعضه إلى بعض ، لا يمكن ولا يصح اقتطاع جزء منه وعزله عن الباقي . وهذا الإدراك العميق للطابع المنظومي ل " العلم البرهاني " الأرسطي ، والذي عبر عنه ابن رشد بوضوح حينما أشار إلى أن